حكاية كرانة: النخيل والبحر

علي حسن جعفر – 2026م

كان الحاج جعفر يجلس مع حفيده سلمان على تلة صغيرة تطل على الطبيعة الخلابة في قرية “كرانة”، ويقول له: «يا بني، كرانة ليست مجرد مكان، بل هي “القرية الخضراء” التي احتضنت عبق التاريخ وسحر الطبيعة منذ آلاف السنين.»

نظر سلمان إلى أشجار النخيل الكثيفة التي تغطّي الأفق وكأنها بساط من الزمرد.

جاءت مريم إلى جدولها وهي تحمل خريطة قديمة للبحرين.

سألته بفضول: «جدي، أين تقع كرانة بالضبط؟»

ابتسم الحاج جعفر وفتح الخريطة، مشيراً بإصبعه إلى جهة الشمال: «تقع قريتنا الجميلة في المحافظة الشمالية، وهي لؤلؤة تتوسط القرى المجاورة، حيث تلامس بنسيمها مياه الخليج وتتغذى من خيرات الأرض.»

ركض سلمان ومريم بين بساتين النخيل العالية، حيث يحيط بالقرية حزام أخضر لا ينتهي من أشجار النخيل الوارفة. قالت مريم وهي تلمس جذع نخلة قديمة: «اسمع يا سلمان، صوت الماء!»

كان خرير عيون الماء العذبة ينساب في “السيبان”، وهي الجداول الصغيرة التي تروي العطش وتمنح لقب “القرية الخضراء”.

وقف الحاج جعفر مع حفيده سلمان قرب بقايا أحجار قديمة وجدران تاريخية، وقال: «تاريخنا يا سلمان يعود لزمن دلمون، قبل أكثر من أربعة آلاف عام. في ذلك الزمن، كانت مياه البحر تغطّي أجزاء كبيرة هنا، ومع تراجعها، برزت هذه الأرض الطيبة لتصبح موطناً لأجدادنا الأوائل الذين عمروا الأرض وبنوا هذه الحضارة العريقة.»

«لكن ماذا كان يعمل أهل كرانة قديماً يا جدي؟» سألت مريم وهي تنظر إلى المزارع الممتدة.

أجابها الحاج جعفر بحنين: «كانوا رجالاً أشداء يا مريم، برعوا في الزراعة وفلاحة الأرض، وكانوا أيضاً يغوصون في أعماق البحر بحثاً عن اللؤلؤ ويصطادون السمك. لقد كانت كرانة تعطي من يعطيها بصدق، وأهلها لم يملوا العمل يوماً.»

تساءل سلمان: «جدي، من أين جاء اسم كرانة؟»

ضحك سلمان ومريم وهما يتخيلان القصص الشعبية. قال سلمان: «سمعت أنها تعني الساحل تتحدث بالفارسية»، بينما القصة الشعبية تتحدث عن حبل “الكر” الذي يباع بـ “آنة” واحدة. تداخلت القصص لتجعل من الاسم لغزاً جميلاً يربط بين بحر وتراث النخيل.

أخذ الحاج جعفر حفيدته مريم في جولة بين المزارع، وهو يعدد لها الأسماء: “حلة العريض”، وهناك “نور جرفت”، وبجانبها “الرقعة” و”الهربدية”، وبجانبهما “المقيسم”، و”روزكان”، و”حلة السيف”، و”الجبيلات”.

كل زاوية في كرانة لها اسم وحكاية، وكل مزرعة كانت بيتاً كبيراً يجمع الأحبة والجيران منذ زمن بعيد.

وصل سلمان وأصدقاؤه إلى “عين الجن”، التي تعرف أيضاً بـ “العريضة العودة”، وهي العين الكبيرة التي كانت القرية النابض. قال سلمان: «تخيلوا، هنا كان يلتقي الجميع، يتسامر الكبار تحت ظل النخيل ويسبح الأطفال مياهها العذبة، بينما تعكس وجوههم حكايات القرية اليومية البسيطة.»

جلس الحاج جعفر مع حفيده سلمان في ليلة هادئة تحت ضوء فانوس خافت في حوش بيتهم القديم. قال الحاج جعفر بلهجة مليئة بالذكريات:

«يا سلمان، هل تعلم ما حدث في ليلة السادس عشر من يناير عام 1911؟ كانت القرية كلها تغرق في الظلام الدامس، والناس يوقدون الفوانيس بانتظار لحظة تاريخية ستغيّر مجرى حياتنا.»

أضاءت الأنوار كل القرية! صرخت مريم بحماس وهي تسمع الحاج جعفر يكمل:

«في تلك الليلة، دخلت الكهرباء إلى كرانة لأول مرة. لقد خلد الخطيب السيد محمد صالح الموسوي العدناني تلك الليلة بقصيدة وصف فيها كيف رقصت القلوب فرحاً بهذا الضياء الذي غمر البيوت وحول ليلنا إلى نهار.»

وقف الحاج جعفر مع حفيده سلمان ليشرح له عن جمال القرية الساحر: «لكرانة يا بني أربعة حدود؛ من الشمال يحيينا البحر بزرقته، ومن الجنوب تحتضننا النخيل بظلها، ومن الشرق تحرسنا قلعة البحرين الشامخة، ومن الغرب تمدنا المزارع بخيراتها.»

شعر سلمان وكأن القرية حصن من الطبيعة.

مشى الحاج جعفر مع حفيدته مريم في “الزرنوق” القديم بين البيوت الطينية، وقال لها بحكمة:

«كرانة أرض تسامر النخيل والبحر، وهي أمانة في أعناقكم يا أبنائي. حافظوا على تراثها، وازرعوا في قلوبكم حب تاريخها، فالأرض التي لا تعتز بتاريخها لا تعطينا مستقبلاً.»

ابتسمت مريم وهي تدرك قيمة هذه الأرض الطيبة.

النهاية

حكاية كرانة: النخيل والبحر

علي حسن جعفر

الطبعة الأولى – 2026م

اترك رد