حكاية كرانة

علي حسن جعفر – 2026م

في قلب مملكة البحرين، تقع قرية كرانة، حيث أشجار النخيل الباسقة. جلس سلمان مع جده الحاج أحمد بين ظلال النخيل والنسيم العليل في عالم من الجمال الفطري.

سأل سلمان بفضول: «جدي، هل كانت كرانة دائماً هكذا؟»

ابتسم الجد وقال: «يا بني، كرانة حكاية بدأت كحبات لؤلؤ منثورة وسط غابات من النخيل.»

بدأ الجد يقص الحكاية: «قديماً، لم تكن كرانة كما تراها الآن، بل كانت مناطق سكنية متناثرة تفصل بينها المزارع الشاسعة والبساتين الخضراء. كانت كل منطقة لها حكاية ومهنة تميزها، وكأنها جزر صغيرة في بحر من الخضرة.»

واصل الجد حديثه وهو يشير نحو الأفق حيث يلوح بريق البحر: «اسم قريتنا مشتق من (كرّانة) أي الساحل أو الشاطئ، كانت بيوتنا تطل مباشرة على البحر. كان الرجال يقسمون يومهم بين صيد السمك، والاعتناء بالمزارع في روزكّان وحلة السيف. كانت رائحة البحر المالح تختلط برائحة الأرض الطيبة.»

أمضى الجد وقتاً في تفقد الحضرة، وهي مصيدة الأسماك المصنوعة من جريد النخل. كان سلمان يراقب جده وهو يشرح له كيف تدخل الأسماك إليها مع حركة المد والجزر. تعلم سلمان أن الصيد ليس مجرد جلب للطعام، بل هو فن يتطلب فهم لغة البحر وأسراره.

قال الحاج أحمد: «وفي الهربدية والمقيسم، كانت الأرض لا تتوقف عن العطاء. كانت النخيل الباسقة وأشجار اللوز والفاكهة تملأ المكان. كانوا يعملون بجد وتكاتف، يتقاسمون المحصول ويساعدون بعضهم في تسميد وسقي الأرض من السواقي. وكانت حلة العين تضم عيوناً مائية طبيعية تتدفق بالخير صيفاً وشتاءً، المياه تتدفق بغزارة لتسقي المزارع. تسمى هذه العين (عين الجن) ويطلق عليها البعض (العين العودة). نسج الناس حولها أساطير خيالية كثيرة بسبب قوتها وغموضها، لكنها في الحقيقة كانت عيناً مباركة تفيض بالخير الوفير، تروي عطش الأرض والناس والحيوانات، ويسبح فيها الصبية ليمرحوا ويبردوا أجسادهم من حرارة الصيف.»

«أما في الجبيلات والرّقعة، حيث تلتقي الرمال الذهبية بموج البحر، فقد سكن هناك الفلاحون، وصيادو السمك، والغواصون. كانوا يغيبون في عرض البحر لأشهر بحثاً عن اللؤلؤ، ويعودون بكنوز البحر. كان الصيادون يجهزون قواربهم الخشبية لرحلة الغوص، حيث البحر يخبئ لنا اللؤلؤ كما تخبئ نخيل الأرض التمر.»

تجول سلمان مع جده الحاج أحمد في أرجاء القرية، حتى وصلوا إلى منطقة الهربدية حيث تتدلى ثمار الليمون والترنج، ثم إلى الرقعة ونورجرفت. كان هناك الفلاحون يرددون أهازيج العمل وهم يسقون الأرض ويعتنون بالأشجار ويجنون الثمار.

في طريق العودة، مروا بمنطقة المقيسم والرقعة، حيث كانت تعج بالحركة والمزارعون يجنون الرطب الخلاص والخنيزي والمرزبان من بساتين النخيل. كان الجميع يعرف بعضهم البعض، فشعر سلمان بقوة الترابط الاجتماعي بين أهل القرية، حيث الكل يسأل عن الكل، والابتسامة لا تفارق الوجوه في تناغم اجتماعي فريد.

وصلا إلى قلب البساتين، حيث كانت رائحة الرازجي والمشموم والليمون تملأ الأجواء. توقف الجد الحاج أحمد ليشرح لسلمان كيف تنساب المياه في السيبان والجداول، وهي قنوات الري الصغيرة التي تروي عطش الأرض. قال الجد بوقار: «يا بني، كرانة تعطينا خيرها لأننا نحبها ونرعاها، انظر كيف يبتسم النخيل حين يرتوي بمياه عيوننا العذبة.»

أخذ الحاج أحمد حفيده لساحل الهربدية، وهناك لقيا الصيادين الذين رحبوا بهما، ووجدوا السيد خليل يعمل في إصلاح شباك الصيد (الغزل) على الشاطئ. كان سلمان يراقب بتركيز وهو يتعلم كيفية عقد الخيوط بقوة. كانت مهنة صيد الأسماك هي الرئة الثانية التي تتنفس بها القرية إلى جانب الزراعة.

عاد سلمان إلى المنزل ليجد جدته مريم تجلس في حوش المنزل، كانت يداها تنسجان خوص النخيل وتحيكه بببراعة ومهارة مذهلة. كانت تصنع الحصير، والسفرة الملونة، والمهفة، والجفير، وغيرها. ابتسمت الجدة لسلمان وقالت: «الخوص يا بني هو رفيقنا، نصنع منه كل ما نحتاجه في بيوتنا كما فعل أجدادنا. في كل بيت تتعاون الأيدي لصناعة كل ما يحتاجه.» جلس سلمان بجانبها يحاول تعلم فن الجدل البسيط.

مع مرور السنين، بدأ الناس يبنون بيوتاً جديدة من الإسمنت، واتسعت الرقعة العمرانية. بدأت تلك المناطق المتباعدة مثل المقيسم والهربدية والرقعة تقترب من بعضها البعض، وكأنها تمد يدها لتتحد في جسد واحد. وهكذا، اندمجت كل تلك الأسماء الصغيرة والقرى المتفرقة لتشكل قلباً واحداً كبيراً اسمه (كرانة). اليوم، نحن جميعاً جيران وأهل، نحمل في ذاكرتنا تاريخ أجدادنا الغواصين والصيادين والمزارعين الذين جعلوا من هذه الأرض جنة.

قفز سلمان فرحاً وهو يقول: «أنا أحب شهر رمضان في كرانة يا جدي!»

ضحك الجد وقال: «نعم يا بني، فشهر رمضان له ميزة خاصة، حيث مجالس القرآن، واجتماع الأهل والجيران على موائد الإفطار في مودة حيث تفوح رائحة الثريد، والهريس، واللقيمات، وغيرها. كما يطوف الأطفال على بيوت القرية الجميلة ليلة القرقاعون احتفالاً بمولد الإمام الحسن (ع) مرتدين ملابسهم الشعبية، مرددين الأهازيج التي توارثناها جيلاً بعد جيل.»

مع غياب الشمس وحلول المساء، اجتمعت العائلة في مجلس المنزل الواسع. قدمت الجدة مريم دلة القهوة وصحن رطب لذيذ. ساد الهدوء المكان، وبدأ الجد الحاج أحمد يقص على مسامعهم حكايات الغوص عن اللؤلؤ وقصص عن البحر وعين الجن وفاطمة الجنية، وسط ضحكات الأطفال وهدوء الليل تحت ضوء فانوس في زاوية المجلس.

استلقى سلمان على سطح المنزل، ناظراً إلى السماء الصافية المرصعة بالنجوم. كانت نسمات الهواء العليل تداعبه، فأدرك سلمان أن قرية كرانة هي تاريخ حي يسكن في قلبه. أغمض عينيه وهو يحلم بمستقبل يحافظ فيه على خضرة النخيل وعلى زرقة البحر، واعداً نفسه أن يحافظ على جمال القرية الخضراء للأبد.

النهاية

حكاية كرانة

علي حسن جعفر

الطبعة الأولى – 2026م

اترك رد