في قلب قرية كرانة الخضراء، حيث تتمايل سعف النخيل مع نسيم البحر، جلس محمد بجانب جده الحاج علي أبو مهدي. كان جدول الماء ينساب بصفاء أمام أرجهما، وصوت خريره يمتزج بزقزقة العصافير. قال محمد وعيناه تلتمعان بالفضول: جدي، أخبرني عن سر كرانة، لماذا نشعر هنا بسلام لا يشبهه شيء؟ابتسم الحاج علي، ومسح بحنان على رأس حفيده قائلاً: يا بني، سر كرانة في بيوت الله التي تحرسها. هل تعلم أن في قريتنا الصغيرة يوجد مسجد في كل زقاق؟ كل واحد منها يحمل قصة، وفي كل زاوية منها دعاء سكن الجدران. هي ليست مجرد أحجار، بل هي نبض إيماننا الذي لا ينقطع.

بالقرب من عين الجن يشمخ مسجد الشيخ إبراهيم الآثري، والذي كان مبنياً بالحجارة والجص وبنمط الأقواس الإسلامية القديمة، فهو شاهد على عراقة أجدادنا الذين سجدوا هنا قبل قرون طويلة، وقد أعيد بناؤه عام 2000م بطراز حديث، تخيل محمد تلك المساجد القديمة وهي تشع نورا في الماضي.
ومسجد سيد إسماعيل، والذي يعتبر الآن أحدث مسجد في القرية حيث تم إعادة بنائه بتصميم حديث وجديد وأدوار ثلاثة تلبي احتياجات أهل القرية وخصوصاً في المناسبات مثل ليالي القدر، وصلاة الآيات وغيرها.
تابع الحاج علي: وعندما نمر بمسجد الذبح المنسوب للشيخ علي أبو محيا، والذي يقع في جنوب غرب القرية، نتذكر قيم التضحية. حيث كان الناس يجتمعون للتعاون والبر. هذه المساجد يا محمد هي التي علمتنا أن القوة في الجماعة، وأن الله مع الصابرين.
أما بقية المساجد العامرة، فهي كثيرة ومنتشرة في القرية مثل مسجد سيد شعبان، وهو القريب من مركز كرانة الثقافي، فهي سلسلة متصلة من الإيمان، جيل يسلمها لجيل. ختم الجد كلامه وهو ينظر إلى محمد بعينين يملؤهما الأمل، وكأنه يرى فيه مستقبل القرية وحماية تراثها.
ومسجد فضل، وهو المسجد الذي يقع بالقرب من عين فضل، والآن يقع في فريق اللوزة وقد أعيد بناؤه وترميمه عدة مرات.

سأل محمد: وماذا عن المساجد التي في شمال القرية يا جدي؟ أجاب الجد: هناك يرتفع ذكر الله في سيد محمد المعروف بـ الدور، هي منارات للعلم والهدى، تخرج منها رجال ونساء حملوا القرآن في صدورهم، ونشروه بالخلق الرفيع في كل مكان.
وفي أرضنا الطيبة أيضاً، نجد مسجد السيد جواد بالقرب من مزرعة الصنو، هذه المساجد تذكرنا دائماً بارتباطنا بالأرض، فمن ترابها خُلقنا، وعلى ترابها نسجد بتذلل ومحبة. أخذ الجد نفساً عميقاً وهو يستذكر الأيام الخوالي في تلك الرحاب الطاهرة.
وقديماً كان في مزرعة الكسة يقع مسجد التربة، وهو قريب جداً من منزل السيد مكي الوداعي والذي أصبح الآن المسجد الوحيد في فريق الإسكان.
مسجد شيخ زيد، وقد كان من مساجد التلال، ولكنه أعيد بناؤه وفق الطرازات الحديثة، وهو يقع على شارع النخيل.
أضاف الجد بفخر: ومع مرور الزمن، أعدنا بناء مسجد الشيخ علي الجديد، الذي كان مبنياً بالحجارة والطين ومفروشاً بالصبان، ويقع بالقرب من دوار كرانة الداخلي عند مدخل الحموديات.وقف محمد بكل فخر أمام مسجد الحجة، الذي يقع في شمال القرية عند البحر، وفي نهاية مزرعة القيسم التي تحولت إلى وحدات سكنية، وقال: لقد تعلمت اليوم يا جدي أن مساجدنا هي هويتنا، وأن كرانة ليست مجرد بيوت ونخيل، بل هي روح ممتدة من الإيمان والقيم. أعدك أن أحافظ على هذا الإرث، وأن يظل ذكر الله عامراً في قلبي كما هو في كل مسجد من مساجدنا.
ولا ننسى أحد أقدم مساجد القرية والذي يعود لزمن بعيد جداً، وهو مسجد حشاشوه المسمى سيد مهدي، والذي تهدم بفعل الزمن وأصبح تلة من الرمال والصخور، والذي تم التنقيب فيه للكشف عن تاريخه وزمنه وتبين بأنه يعود لقرون بعيدة جداً.
مال محمد برأسه على كتف جده، فقال الحاج علي: وهناك مسجد الشيخ قاسم، القريب من حسينية أبناء سلمان، كل مساجدنا تحمل في طياتها حكايات علماء أفنوا حياتهم في خدمة الدين والناس. هؤلاء هم قدوتنا يا محمد، الذين بنوا لنا هذا الإرث العظيم.
قال الجد الحاج علي، هناك أيضاً مسجد النعش للشيخ شمس، وهو المسجد القريب من مغتسل الموتى، وكان أهالي كرانة سابقاً يجتمعون فيه عند حدوث وفاة، وفيه يجهزون أكفان الموتى، ويقرأون القرآن حتى تجهز الجنازة.
بدأ الجد في سرد حكاية عجيبة: يا محمد، هناك مسجد الروضة للشيخ ناصر بن عبدالله الأوالي، حيث تعبق رائحة التاريخ، والتي تمتد لما يقارب الخمسمائة سنة.
وبالقرب من مدرسة كرانة يا محمد يوجد مسجد ميلاد الزهراء، كما يوجد مسجد ملاصق لمدرسة البنات من الجنوب (مسجد الشكر)، وهي مساجد فخر لقرية كرانة ولأهلها.
قال الجد: يا محمد، مقبرة كرانة كبيرة جداً وتحتوي على العديد من المساجد، والمسجد الذي بقي صامداً إلى الآن في وسط المقبرة، كانت تتم فيه الصلاة على الجنائز سابقاً وقبل بناء صالة المقبرة الحالية.
وبعض هذه المساجد الموجودة في المقبرة قد صار كومة من التراب والحجارة، وبعضها بقيت بعض آثاره صامدة مثل العديد من الساجات المنتشرة في مقبرة القرية، حيث توجد ساجات وقبور تاريخية لمساجد تهدمت وصارت تلالاً من الحجارة والرمال.
النهاية مساجد كرانة علي حسن جعفر الطبعة الأولى – 2026م


